فخر الدين الرازي

121

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وأن يقدر الصانع على جمع تلك الأجزاء وجعلها خلقا سويا ، كما كان أولا ولهذا السر لما بين تعالى دلالته على المبدأ ، فرع عليه أيضا دلالته على صحة المعاد فقال : [ سورة الطارق ( 86 ) : آية 8 ] إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ ( 8 ) وفيه مسألتان : المسألة الأولى : الضمير في أنه للخالق مع أنه لم يتقدم ذكره ، والسبب فيه وجهان الأول : دلالة خلق عليه ، والمعنى أن ذلك الذي خلق قادر على رجعه الثاني : أنه وإن لم يتقدم ذكره لفظا ، ولكن تقدم ذكر ما يدل عليه سبحانه ، وقد تقرر في بداءة العقول أن القادر على هذه التصرفات ، هو اللّه سبحانه وتعالى ، فلما كان ذلك في غاية الظهور كان كالمذكور . المسألة الثانية : الرجع مصدر رجعت الشيء إذا رددته ، والكناية في قوله عَلى رَجْعِهِ إلى أي شيء ترجع ؟ فيه وجهان أولهما : وهو الأقرب أنه راجع إلى الإنسان ، والمعنى أن الذي قدر على خلق الإنسان ابتداء وجب أن يقدر بعد موته على رده حيا ، وهو كقوله تعالى : قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ [ يس : 79 ] وقوله : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [ الروم : 27 ] وثانيهما : أن الضمير غير عائد إلى الإنسان ، ثم قال مجاهد : قادر على أن يرد الماء في الإحليل ، وقال عكرمة والضحاك : على أن يرد الماء في الصلب . وروي أيضا عن الضحاك أنه قادر على رد الإنسان ماء كما كان قبل ، وقال مقاتل بن حيان : إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب ، ومن الشباب إلى الصبا ، ومن الصبا / إلى النطفة ، واعلم أن القول الأول أصح ، ويشهد له قوله : يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ أي أنه قادر على بعثه يوم القيامة ، ثم إنه سبحانه لما أقام الدليل على صحة القول بالبعث والقيامة ، وصف حاله في ذلك اليوم فقال : [ سورة الطارق ( 86 ) : الآيات 9 إلى 10 ] يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ ( 9 ) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ ( 10 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : يَوْمَ منصوب برجعه ومن جعل الضمير في رجعه للماء وفسره برجعه إلى مخرجه من الصلب والترائب أو إلى الحالة الأولى نصب الظرف بقوله : فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ أي ما له من قوة ذلك اليوم . المسألة الثانية : تُبْلَى أي تختبر ، والسرائر ما أسر في القلوب من العقائد والنيات ، وما أخفى من الأعمال ، وفي كيفية الابتلاء والاختبار هاهنا أقوال : الأول : ما ذكره القفال معنى الاختبار هاهنا أن أعمال الإنسان يوم القيامة تعرض عليه وينظر أيضا في الصحيفة التي كتبت الملائكة فيها تفاصيل أعمالهم ليعلم أن المذكور هل هو مطابق للمكتوب ، ولما كانت المحاسبة يوم القيامة واقعة على هذا الوجه جاز أن يسمى هذا المعنى ابتلاء ، وهذه التسمية غير بعيدة لعباده لأنها ابتلاء وامتحان ، وإن كان عالما بتفاصيل ما عملوه وما لم يعملوه . والوجه الثاني : أن الأفعال إنما يستحق عليها الثواب والعقاب لوجوهها ، فرب فعل يكون ظاهره حسنا